موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 ��������       29/6/2022�         23:06

حوارنا البائس..بالرصاص!
الاربعاء 4/10/2006م    01:49ص
في بيروت، حين كانت على حافة الحرب الأهلية،كانت المقدمات بالغة الكآبة والتعبير. قبل ذلك كان الكل يستعد: حزب الكتائب المسيحي الأصولي، أو حزب الأصولية المارونية الذي اعتبر البلاد اللبنانية في أمانته وتحت وصايته بزعامة بيار الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار الماروني كذلك، لكنه بدا أقل تعصباً وانتماء للمارونية بما أن زعيمه كان كميل شمعون السياسي المخضرم والمحترف، كان استعدادهما سابقاً وكان الحزبان يتسلحان خفية، وبمعونة أكثر خفاء، لجمع السلاح وتخزينه وتدريب المقاتلين! كل ذلك من أجل طرد الغرباء الفلسطينيين! ومن أجل إعادة التوازن للمعادلة التي توشك أن تنهار والتي اختزلت حتى ذلك التاريخ بصيغة الاستقلال قبيل منتصف الأربعينات من القرن الماضي.. كان الموارنة هم الطائفة الأعلى نفوذاً وزعماؤهم هم الشيوخ والحكام الفعليون، أما الدروز بزعامة مشتركة بين الجنبلاطيين والأرسلانيين. والذين رجّح كفة الزعامة لصالحه فيهم كمال جنبلاط، فإنهم بدأوا استعداداً مبكراً لحماية الطائفة دون أن يعلنوا انحيازاً، ومثل ذلك فعل السنة الذين غابوا عن كل دور فاعل ، أما الشيعة فكانوا قوة منذ البداية وسنداً للثورة الفلسطينية والفلسطينيين. كانوا بحكم وضعهم في ترتيب طائفي متأخر، وحرمانهم وكثرة ولاداتهم، وإحساسهم بالظلم الاجتماعي، ثم آخراً وليس أخيراً بحكم تواجد أغلبيتهم الساحقة في الجنوب اللبناني المتاخم لفلسطين المحتلة، أقرب الى الفلسطينيين والى المقاومة الفلسطينية.

كانت هذه مقدّمة مقتصبة لا تسعى الى رسم خريطة القوى العسكرية والسياسية اللبنانية، بقدر ما تسعى الى مقاربة خطيرة بين ما يجري فوق أرضنا وفي بلادنا، وبين الحرب الطائفية في لبنان، مع فارق واسع هو أن الذي في لبنان كان حرباً أو صراع طوائف، بينما ما نحن على أعتابه هو صراع منظمات وفصائل وأحزاب!

بدأت الحرب في لبنان عندما كان  العمال الفلسطينيون عائدين من العمل كأجراء في المناطق المارونية، الى مخيماتهم في الضاحية الجنوبية وصبرا وشاتيلا.. فجأة أوقفهم المسلحون عند محور 'عين الرمانة' وأطلقوا النار عليهم وهم في الباص، فلم ينج منهم أحد.. أرادها الكتائبيون مجزرة صاعقة تخلف فجيعة وذهولا، وتبعث غضباً يقود الى رد فعل مواز، بل الى رد فعل أعلى يهيئ الفرصة لتحقيق الهدف الكتائبي الإسرائيلي: طرد الفلسطينيين الغرباء، والثورة الفلسطينية، ثم بعد ذلك الالتفات الى الوضع الداخلي لإعادة التوازن من جديد، على أساس الصيغة التاريخية التي خطط لها الانتداب الفرنسي..

 على أنه في فلسطين، في بلادنا، ليست هناك طوائف تتقارب عدداً حتى تتصارع.. كنا دائماً موطن الأديان ومبعث الرسالات.. الشيعة لا يشكلون عدداً أو قوة حاسمة، ولا الدروز، ولا مجال للدخول في صراع له صيغة الطائفية أو حتى شبهة المذهبية، ما الذي يجري إذن؟ ثمة من يريد أن يجعل من رؤية منهجاً وطريقة، تطورت الى التحريض والدعوة الى احتكاك مدني، قبل أن تتعسكر وتتحول الى تصادم مسلح مؤسف ومقرف!

عودة الى لبنان، كان اللبنانيون والفلسطينيون يعدون الأيام والجمُع عداً فاجعاً فذلك هو الخميس الأسود، وتلك الجمعة الدامية والثلاثاء الحزين والأربعاء الحمراء.. ها نحن نعد الأحد الأسود في غزة، والاثنين الفاجع في رفح ما أغبانا وما أفظعنا! بدأنا من قبل من قبل، دون أن ينتبه أحد الى أين: اغتيالات فردية وتفجير هنا وآخر هناك، وفي الأثناء تصفية حسابات لا علاقة لها أساساً بالسياسة، لقد نسينا الصراع الأساسي، و.. ' بلّشنا ' ببعضنا.. كم هم حمقى الذين فتحوا بوابةً مفاتيحها ليست بيدهم! سيسألني أي أحد ما العمل؟ أقول إن العمل يكمن في سلطة السلطةووحدانيتها.. ولتذهب أية حكومة من فتح أو حماس الى الجحيم وإذا كانت تصيب المواطن بكل هذا الجوع والمذلة، وبأعظم القتل وسفك الدم على قارعة الطريق؟ الحل هو في غياب السلاح عن أنظارنا فلقد كرهنا السلاح والمسلحين حتي العمى.

* * *

أول أمس أغلقوا معبر المنطار التجاري، لم يغلقه اليهود نحن أغلقناه لأننا حتى حين نضرب عن العمل، لا نعرف متى نضرب وكيف؟ وعن أي عمل تحديداً؟!

الإضراب حق مشروع بخاصة عندما يتعلق بمعاشك ومصدر رزقك وقوت العيال. في رمضان يتطلب الأمر تضحية أعلى وعلماً أوثق بما نضرب عنه وما لا نُضرب. وعلى مؤسسة الحكومة ومؤسسة الرئاسة تقييم الأولويات، حتى تظل رئتنا الاقتصادية حية  ولو بما يسد أقل الرمق. ادفعوا أو ادفعوا بعمال آخرين من القوة التنفيذية التي تم اختراعها! أومن امن الرئاسة.

* * *

قالت: هل بلغتك آخر الأخبار

قلت: بلغني الكثير، ولكن أيها تقصدين

قالت: ذهبت الى البنك لأصرف 1500 شيكل جادوا بها أخيراً، فصادفت مئات وربما آلاف، يتدافعون بالمناكب. فجأة نشب عراك قصير جداً، لم يلبث أن حسمه أحدهم عندما لعلع رصاص رشاشه  خادشاً  أديم السماء.. جاوبه أحدهم من رشاش في الجهة المقابلة، وهات يا 'طخ' بين الأرجل فأصاب امرأة وصبياً، قبل أن يدير ظهره ويركب الجيب غاضباً، فيغضب لغضبه السائق والمرافق، وتسحق عجلات السيارة أرض الشارع سحقاً مرعباً. عدت من حيث أتيت ولم أقبض!

قال: هذا ليس خبراً، وليس جديداً أيضاً، فعندما سحق السائق أسفلت الشارع مرقت عجلة فوق قدم أحدهم، لكن المطاط كان حنوناً فلم يلحق سوى ألم بسيط بقدم صاحبنا. لم يغضب المطاط لغضب ' أبو عرّام ' ! أما أنت فالحمد لله على السلامة، كان يمكن أن تذهبي بين الأرجل.

قالت وهي تغضب ولكن بدون كلاشينكوف:

-    هل تعرف بما أفكر. قال :لا . قالت: أفكر في أنهم شغلونا بجوعنا الى الحد الذي نسينا فيه سبعة شهور من المعاناة والحرمان والفقر المدقع، بتنا نفرح لألف وخمسمائة نقبضها تحت تهديد 'الطخ' ووعيد أبو الجماجيم وأبو الموت..؟

* * *

 دار الحديث ساخناً من أوله. قالت : أول ما يفتح المعبر سأسافر ولن أعود ، بصراحة سأهاجر. قلت : والوطن؟ ضحكت وضحكت ثم ضحكت حتى خلتها تكاد تُجن. قالت أخيراً بمرارة وأسف: بعدك فاكر أفنينا عمرنا نقاتل نبحث عن فردوس وعن وطن، وعندما بلغناه أخيراً وجدناه مرتعاً للأفاقين وأمراء الحرب، الذين يقتلونك دون أن يحسوا برعشة ترتجف لها أصابعهم.. خليك في الوطن.. أما أنا فالوطن بالنسبة لي بشر قبل أن يكون أرضاً وحجارة.
 

إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور