موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 ��������       29/6/2022�         21:58

بريطانيا تكرر تاريخاً مجللاّ بالعار
الخميس 23/3/2006م    01:39ص

كنت في القاهرة عندما تدفق الناس في قطاع غزة على المخابز وهي تعاني من نقص حاد في الدقيق . حاولت استحضار صوراً، فيما شاهدت وقرأت عبر حقب متوسطة أو حديثة من التاريخ، فلم أجد ما يشبه.. مرت مجاعات كارثية على شعوب، كانت احياناً بسبب القحط وتارة بسبب العواصف والأنواء والفياضانات. أساساً يذكر الفلسطينيون مجاعة مروا بها حينما كنا صَبياناً في أوائل الخمسينات حين اجتمع علينا الصقيع والثلج والاغتصاب والفقر،لكنه ظل لدينا ما نجده لنأكله.

الآن ليس في بلادنا قحط ولا مجاعات ولا اجواء تذهب بالأخضر واليابس، ومع ذلك دخلنا في مجاعة على مرأى العالم كله ومسمعه، ولم يتحرك الضمير العالمي بما يبعث الأمل في عالم أقل انحيازاً وظلماً وامتثالاً لازدواج الكيل واختلاط المقاييس.

وفي الأدبيات الانسانية ونشوء المنظمات المدافعة عن الحرية وحقوق الانسان، وفي انفتاح العالم على الاتصال وشيوع الديمقراطية، ظن الفلسطينيون أنهم يعيشون أفقاً يبحث في أصل القضية، ينتصر للظلم التاريخي الذي أحاق بهم ويعوضهم عن معاناتهم، فاذا بهم يتعرضون لما هو أقسى وأشرس ليس احتلالاً وحسب، وانما تشريداً برؤية جديدة ، وحبس وتقطيع أوصال، وقتل على الهوية واغتيال يطال من يطاله دون التثبت من عمره أو مكانه!

وفي المحاكمات السياسية حيث تخضع المسائل للاختيار.. اختار الفلسطينيون الكفاح المسلح كي يلفتوا النظر ويثيروا انتباه العالم، وليستعيدوا ذاكرة أريد لها أن تخبو وتخمد. ولم يكن اختيارهم ابتغاء نصرعسكري يعلمون انهم لن يبلغوه، أمام آلة عسكرية طاحنة لها مدد امريكي وغربي لاينضب، وحماية نووية مسروقة وغير مشروعة ومسكوت عنها! إنما كان اختيارهم كي يصلوا ابعد كثيراً من  النقطة التي وصلوها: إشاعة التعايش والسلام، وبلوغ منطقة تلتقي عندها المصالح، ويتوقف معها العداء الدّموي ولو على حسابنا، نحن المزروعون في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

الآن هذا العالم المنافق، هذه الولايات المتحدة وأوروبا تسكت عن عقاب جماعي للفلسطينين، وترى طوابير البحث الفلسطينية عن الرغيف وتجد العذر للاسرائيلين!! أي فجور سياسي هذا الذي نعيشه، وأية قوى هذه التي تخرج للحرب الكاذبة والمأفونة بدعوه اشاعة الديمقراطية، وتقف دون ان تحرك ساكن أمام تجويع وعقوبات جماعية، تضع الفلسطينين أمام أختيار واحد لا ثالث له!!

*   *   *

 لو كان يمكن أن يعود شارون الى الوعي، لعاد اليه لحظات لايلبث بعدها ان يعاود الغياب. ها هو خليفتة اولمرت يسبقه ويتجاوز إرهابه وعقوباته، وجنون خيال دموي صاخب اشتهربه أولمرت يهاجم سجناً كان شارون قد اتفق على ان يكون تحت اشراف سجّانين امريكيين وبريطانيين .لم يقبل بسجّانين من جنسيِات أخرى! وجاء اولمرت ليقوض اتفاق شارون، هل هي ارادة أولمرت فعلاً أم انها إرادة العسكر الذين يوجهون سياسة الحكم الاسرائيلي الى ابشع الحلقات إرهاباً وجريمة. أم انها سياسة تكتل 'كاديما' الذي بفعلته الارهابية الرهيبة هذه، وبفرض التجويع على قطاع غزة ينتزع من اليمين الاسرائيلي برئاسة ' نتنياهو' ورقة رابحة يستخدمها في الانتخابات القادمة.

لابد من قراءة هذا كله واسقاطه على نظام الحكم الاسرائيلي، الذي لايغادر تواصله مع الارهاب والاحتلال ودعم كل ما من شأنه تدمير الفلسطينين،وانتهاك حقوقهم.. ماذا يفعل الفلسطينيون أمام هذا كله؟ سؤال يبدو ان الاجابة عنه تتطلب أشكالاً أخرى من مقاومة لاتتوقف، أو فوضى يصعب ضبطها اوة تحديد انفجاراتها!

بريطانيا المسؤولة تاريخياً عن اغتصاب فلسطين تواصل مسؤوليتها الكارثية في سجن اريحا، فتنسحب وتترك الحلبة للاسرائيليين ليحتلوا السجن ويدمروه، ويقتلوا ويشيعوا إرهاباً سافراً وسافلاً تُسأل عنه بريطانيا أيضاً.

ليس مهماً أن يبلّغ رئيس الوزراء البريطاني السلطة أولا يبلّغها بانسحاب السّجانين البريطانين، فالمسألة لم تكن في الأساس حماية مادية للسجن والمعتقلين وانما هي حماية سياسية تمّ التوافق عليها للخروج من مأزق وتدهور نوعي وكارثي اثناء الرئيس الشهيد الرمز'ياسرعرفات' .

ليس هذا أوان الخوض في العمق، وسرد التاريخ البريطاني الذي خذل الفلسطينين وخانهم في سجن أريحا، وانما هي إشارة عابرة الى مفارقة الحماية الفاجعة: حماية الفلسطينين حينما كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، فأهدت اليهود وعد بلفورعام1917  ،ثم انسحابها المفاحئ ليحلوا محلها عام1948  ! وحماية الفلسطينين المعتقلين في سجن اريحا بعد ستين عاماً، والذين كانوا تحت حمايتها السياسية والأدبية فانسحبت لتدع التاريخ يعيد سيرته المجللّة بالعار!

اما الولايات المتحدة.. القوة العظمي الممتلئة بالغطرسة وفرض إرادتها على العالم، فقد توقفت مسلوبة القرار، مثل أصغر قوة، أمام نقطة بقعة صغيرة لا تكاد تدرك، تحدث عن تراجيديا سجن أريحا الذي يفرد لنفسه مكاناً عصرياً في سيرة الأساطير المأساوية والكوارث عبر الزمان.


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور