موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 �����       26/11/2022�         16:19

صناعة الإشاعة مهنة إسرائيلية
السبت 17/7/2004م    00:14ص

وكأن السيد تيري لارسن موفد الأمين العام للأمم المتحدة قد فتح الباب على اتساعه للإسرائيليين كي يشبعونا شائعات وأخباراً وقصصاً ملفقة يضطرب لها الشارع الفلسطيني، المضطرب أساساً بسبب الاجتياحات الإسرائيلية اليومية وبسبب الاغتيالات وعمليات الإعدام والتجريف الإسرائيلي الذي يعلن في كل لحظة أنه ليس تجريف أمن وإنما هو تجريف حقد وحرمان للشعب الفلسطيني من قوته اليومي ومن حياته الطبيعية.

لقد ألقى لارسن بصخرة في مياه هي في الأساس صاخبة فالتقطها الإسرائيليون ليهربوا من تداعيات حكم المحكمة الدولية في لاهاي وليكسبوا وقتاً. لقد مكنهم السيد لارسن من الفرصة بتصريحاته المدروسة في الزمان والمكان والتي أصابتنا بالمفاجأة باعتبار أن السيد تيري لارسن قد عاش بيننا ممثلاً للنرويج التي كانت حاضنة وراعية لاتفاقات أوسلو.

ما علينا وليس هذا هو الأهم وإنما ما التقطته الأجهزة الإسرائيلية التي تابعت عبر إعلامها حملة نشطة ضد السلطة الوطنية واستقرارها وقدرتها على ضبط الأمور، مصورة الأوضاع في قطاع غزة بشكل خاص على أنها منفلتة وأننا على أبواب حرب أهلية. حسناً ليس هذا فقط وإنما استمعنا بفيض من الدهشة إلى الإذاعة الإسرائيلية صباح هذا اليوم تعلن عن إعلان حالة الطوارئ وتشديد الحراسة وتكثيفها على هيئة الإذاعة والتلفزيون وعلى وكالة الأنباء الفلسطينية 'وفــا'، الأمر الذي اقتضى التنويه والتكذيب لأمرين معاً: الأول لأننا نعيش في أمان واستقرار لا يعكره أحد، والثاني لأننا لا نأكل بعضنا وإذا كان هناك من أحداث جرت خلال اليومين الماضيين فتلك ربما يكون لها تداعياتها التي لا ننصح بتعميمها لأنها تكون بمثابة البلاغ الكاذب وفي أحسن الأحوال بمثابة الوهم الذي على الإسرائيليين أن يقلعوا عنه.

أما الأمر الثاني فهو أن أمننا المهدد فعلاً والذي لا نستطيع تأمينه هو أننا جميعاً مهددون بالفعل الإسرائيلي وبلغة أدق بهذا الإرهاب المجنون الساحق الذي لا يمكن تفسيره بمعزل عن رؤية وسياسة عنصرية، يمكن أن نلمحها بوضوح بالغ في هذا الاستخدام المفرط للقوة العسكرية المقتحمة حتى حدود تفريغ الحقد أو الجنون. إن من يرى أطلال بيت حانون والأنقاض في رفح ونابلس سوف يدرك بأن المسألة لا تتعلق بالأمن الإسرائيلي بقدر ما تتعلق بتدمير منهجي يستهدف البشر والشجر والقوت اليومي وربما يذهب إلى أبعد من ذلك وهو استهداف الهواء، فالبيئة من فرط التدمير والتفجير وتغيير الملامح والتضاريس قد يأتي يوم تعتبر فيه منكوبة بيئياً.

 وبعيداً عن لارسن وعن استثمار الإسرائيليين للتصريحات التي أصدرها والتي ترافقت معها جملة أحداث مؤسفة في قطاع غزة فإن التغييرات الأمنية الفلسطينية التي أجريت اليوم كانت ضرورية وربما متأخرة قليلاً أو كثيراً. وإذا كنا لا نقيس هذه التغييرات بالأشخاص فنحكم لهم أو عليهم من خلال الأقاويل أو الشائعات أو حتى مقاربة الواقع، فإننا نزن الأمور بمقدار ما يتحقق من أمننا نفي أمن المواطن الشائع والبسيط قبل أمن المسؤول، فلقد آن الأوان لكي نحسم مرة واحدة الأمنيات أو المراهنات الإسرائيلية، ليس من خلال الضبط والربط والشفافية التي ينبغي للمسؤولين الأمنيين أن يتحلوا بها، وإنما قبل كل شيء من خلال تأكيد القاعدة الذهبية التي تراود الفلسطينيين جميعاً وهي أنه لا اقتتال فلسطيني ولا فوضى، وإنما وفاق وطني بتعددية عالية وواعية تُخرج الشعب الفلسطيني مما يراد له بعد أن فشلت كل الحملات العسكرية الإرهابية في إذلاله وترويضه.

لذلك فإن على كل فلسطيني المتابعة والمساعدة في الوقت نفسه، بمعنى أن علينا جميعاً العمل بكل قوة لمحاصرة الظواهر السلبية من أي جهة أتت. وفي الوقت نفسه علينا الحذر من الشائعات والأقاويل والأخبار المدسوسة والمسمومة، مثلما أن علينا منح الفرصة لاستتباب الأمن ولحماية المجتمع المدني الفلسطيني الذي يصلب عوده يوماً بعد يوم.

ولن يغادرنا ونحن نفعل ذلك هذا النشاط الدعائي الإسرائيلي المحموم الذي يصورنا في حالة فلتان وانعدام أمن، والذي يروج الأكاذيب التي لا يحتاج تفنيدُها سوى إلى كاميرا ومراسل صحفي يُجري تحقيقاً للفلتان الذي يتحدث عنه الإسرائيليون كما يتحدث عن الانهيار الذي يزعمه لارسن في تصريحاته المثيرة للشبهة من حيث المضمون والتوقيت. 


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور