موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 ��������       29/6/2022�         21:36

ثقافـة الـوقت
الاربعاء 18/10/2006م    01:26ص

الوقت منظومة صارمة تمسك بحياتنا فتحيلها جنة أو تجعل منها شقاء مقيماً. وفي السياسة تتجاوز أهمية الوقت كل أهمية أخرى لأن التوقيت السياسي أو توقيت اتخاذ القرار أمر أساس يضع البلاد كلها في مأزق أو يرسيها فوق شاطئ آمن.

ولقد عرفت الساحة الفلسطينية في تاريخها المعاصر والحديث ومنذ النكبة والاحتلال الإسرائيلي الأول وحتى اللحظة أحزاباً وحركات سياسية وفصائل ومنظمات معظمها لم يدرك قيمة الوقت ولم يحسن التصرف فيه، وبالتالي اتخذت قرارات أو ضيعت الفرصة فلم تتخذ القرار في حينه أوانه، حتى كأننا نحن الفلسطينيين نكاد نكون أسوأ اللاعبين السياسيين في المنطقة وربما في العالم أجمع.

 ومنذ التقسيم عام '1947 'ضيعنا فرصة القبول بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كان القبول بالتقسيم خيانة في نظرالنُخب السياسية والأحزاب، وفي ذلك الوقت لم تر النخب، ولم تقرأ الخريطة السياسية ولا المعادلة الدولية و الأقليمية. كان الحماس الأحمق يملؤنا وكنا نغني بشعارات ونهجس بأحلام تؤخر وتدمر، تذهب بنا و بممتلكاتنا و أراضي البلاد.كنا بعقول جامدة ومتحجرة: إما كل شئ وإما لا شئ. وكانوا يراهنون على رفضنا ويستدرجون إباءنا، ثم ينقضّون، يفرضون أمرهم الواقع وينشئون فوق الأرض ما لم يريحهم من عناء الحرب، وعندما تعجزهم الوسيلة أو تكبر الوليمة فإنهم كانوا يشنون حربهم الإرهابية لتكون الغنيمة أعظم.

لم تفهم ولم تدرك أطرنا السياسية، بخاصة أصحاب القرار فيها قيمة الوقت ولم يمارسوا عبقرية التوقيت، وإنما ذهبوا دائماً الى قلة حيلة وغباء، وأحياناً الى خضوع لابتزاز وإرهاب فكري.

 ها نحن نعود الى نفس النقطة ونرجع الى الأمتار الأولى، عفواً.. ليست الأمتار الأولى وإنما التي قبلها، فنخبنا السياسية وشعبنا كله الآن يناضل من أجل أقل مما كان مطروحاً في مجلس الأمن عام '1947' ! إننا نقبل الآن الأقل الأقل ونناضل من أجله! وفي هذه اللحظة العبقرية التي أوصلنا أنفسنا إليها،نجد البعض ما يزال يصر على كل شئ أو لا شئ!

وفي الماضي لم أفكر كثيراً، لأنك عندما تكون تحت ضغط جماعي يتحول الى إرهاب فكري فإنك لا تفكر ولا تتأمل، لقد نشأت في السبعينات جبهة عربية عريضة عمادها فلسطيني، تتحدث عن الرفض.. حتى أنها اشتهرت وذاعت باسمها كجبهة للرفض! إنني الآن أتصور سذاجة ما كانت عليه القوى السياسية في ذلك الوقت، التي كانت تحركها و   أنظمة مثل ليبيا والعراق في الدرجة الأولى! ليس هناك رفض بالمطلق، وأمام المتغيرات والتطورات والمعطيات الدولية والمحلية والإقليمية، عليك أن تزن قرارك السياسي بميزان الذهب، وفي الأساس عليك أن تختار توقيت اتخاذ ذلك القرار توقيتنا عبقرياً وصارماً، فلا يصعد ولا ينزل بما يرتفع الى وهم أو يهبط الى كارثة.

ما نحن فيه الآن مقرف ومقزز ولا يليق بفلسطينيتنا، صغار يتلاعبون بنا وبأمننا. لا تقولوا لنا أن الكبار هم، الذين يفعلون، فهؤلاء قد بدأوا ولكن الأمور تُفلت من أيديهم! إن الذين يصنعون الفوضى سوف يأتي يوماً يكونون وقودها.ما علاقة ذلك بالوقت والتوقيت وثقافتهما.

أنا أقول لكم لو كانت حماس تملك ثقافة الوقت لكانت الحكومة استقالت منذ زمن. ها نحن ندخل في السنتين الأخيرتين لأسوأ إدارة  أمريكية عرفها التاريخ السياسي والعالم، ها هي الإدارة تستفيق على مآزقها في العراق وأفغانستان وكوريا الشمالية، والهزيمة  التي الحقها اللبنانيون بالإسرائيليين. وتدرك أن القضية الفلسطينية محور القضايا، وبؤرة التوتر، وأساس التوازن وبداية كل استقرار. علينا أن لا نهدر الوقت فنبدأ مصالحة داخلية فلسطينية ونقدم برنامجاً وطنياً وحضارياً مقبولاً وقابلاً للتطبيق، وإذا لم يكن بعضنا قادر، فليترك الأمر لغيره إن مصلحة الوطن والمواطن فوق كل مصلحة.

 حان الوقت، والوقت لا يطرح ثماره خارج فهم دقيق لقيمته ومقتضياته، ولن يستطيع إدراكه من لم يكن مسلحاً بثقافة الوقت، أو من هو مسلح بثقافة العنف.

* * *

لا أملك سوى الإعجاب بالوزير نائب رئيس الوزراء ناصر الدين الشاعر.إنه يطرح منطقاً خاصاً متميزاً ومختلفاً. هذا الرجل بمرونة عالية تليق بسياسي وصاحب قرار، وهو بفهم عميق وحس وطني يقدم العام على الخاص والوطني على الكرسي، ويتحدث عن المجتمع والعلاقات الدولية برؤية بانورامية وشاملة بعبارة أخرى هذا الرجل مثقف وسياسي من طراز رفيع، وبشكل خاص يمتلك ثقافة التوقيت والوقت، وعلى النخبة السياسية أن تقرأه وتتعلم منه.

* * *

 قالت: من تقصد بجبهة الرفض هل تقصد جبهة بعينها أو فصيلاً، بصراحة هل تقصدنا نحن؟

قلت: بالتأكيد وبصراحة أقصدكم أيضاً، ولكن ليس باعتباركم الحالي وإنما باعتبار موقعكم أو موقفكم التاريخي فأنتم الآن لستم بيضة ذات وزن في القبان. غيركم حالياً هو جبهة الرفض القادرة والمدمرة.

قالت: بصراحة أنت متساهل وأعذرني اذ لا أجد تعبيراً آخر أنت أكثر من متساهل، أنت منطبخ.

قلت: سمين ما تشائين، لكن لا تطلقي أوصافك حتى آخر مدى، ثمة فرق بين المرونة والفهم السياسي، وبين التفريط هل تفهمين قصدي؟

 قالت: ولكنك تعرّض بنا.

  قلت:أرجوك استعرضي تاريخ رفضكم هل ترينه سديداً وحكيماً؟

 قالت: أعترف بأنه لم يكن، فلقد ضيعنا الكثير من الفرص.

 قلت:وحتى لا نضيع فرصاً أخرى أو حتى لا نضيع آخر الفرص على حكومتنا الرحيل، ليس لأن أشخاصها ليسوا بكفاءات! انهم خيرة الناس ولكنهم يرفضون ويرفضون ويرفضون، ولا يعترفون بثقافة اسمها ثقافة اختيار الوقت أو التوقيت.

وقلت: أرجوك مرة أخرى الا تفهمي الأمر على نحو آخر، فلا يجب تلخيصْ الرفض برفض الإعتراف.


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور