موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 ��������       29/6/2022�         22:32

قانون الثورات حديدة كالسيف
الثلاثاء 13/3/2007م    01:23ص

فيما بين قراءتين : قراءة فى كتاب ' إلا  أمير المؤمنين .. على بن أبى طالب ' لخليل عبدالكريم المفكر والكاتب الإسلامى المصرى المجدد ، والدى رحل قبل أن تنال منه سهام السلفيين ، الذين رأوا فيه خطراً على نواميسهم وثوابت معتقداتهم ، وبين قراءة فى رواية أخرى للكاتب الأديب والروائى إلياس خوري ' كأنها نائمة ' حاولت أن أتسلل لأستكشف عالماً آخر مشتركاً أو متضاداً ومتضارباً .

          ولعلني وقعت على تناصّ جميل فى رؤيتين على الرغم من تباين الموضوعين فى الجنس قبل كل شىء ، فهذه ' كأنها نائمة ' رواية والكتاب الآخر بحث وتحقيق ودراسة واستخلاص رؤى جريئة .. لعل الجرأة جمعت بينهما كذلك. على أن عبدالكريم ربما كان الأخطر لأنه وهو الأزهري الخارج من عباءة الاخوان المسلمين ، والسجين الذى ذاق العذاب فى عهدين منذ بداية الثورة المصرية عام 1952 ، حيث قدم مراجعة ، ونقداً معمقاً ودقيقاً لرؤية السلف منذ عهد الصحابة والتابعين وفيما بعد الشيوخ والمجتهدون المحدثون ، أكّد عبرها وفى كتابه ' إلا أمير المؤمنين .. علىّ ' أن الدين الإسلامى دين تطُّور ، مشدداً على تاريخية النص الدينى وضرورة اعتباره فى كل وقت تتجلّلى فيه الرؤية البشرية للدين وعلاقته بالدولة . ثمة استخلاص لم يقله ولكنه نطق به فى كل سطر من سطور كتابه وهو فصل الدين عن الدولة ، نستنتج ذلك من تشديده على ضرورة إخضاع مفهوم النص المؤسس لتاريخية النص ، أى أن كل نص لا بدّ لمفهومه من قراءة متجددة تعالج الحالات المستجدة ويكون متماهياً مع مقتضيات الحياة وحاجات العصر. لقد وضع خليل عبدالكريم فى وجوه السلفيين قاعدة تصدُّ كل اختراق يتعرض له ، حين فصل بين النص المؤسس سواء فى الكتاب أو السنة وبين الاجتهاد فى مفهومه على أساس فلسفي يقضى باعتبار تاريخية النص . وفى هذا السياق حّدث عبدالكريم عن المجتمع

 

القرشي قبل وأثناء وما بعد النبى محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره البيئة المُستقبِلة للنصوص التى تعالج أوضاع المجتمع ذاك ، وفتح الباب واسعاً لمحاكمة ذلك المجتمع ونقده فلا قدسية سوى لنصوص الكتاب والسنة .

          أما الياس خوري فإنه فى روايته الأخيرة . كأنها نائمة حدّثنا بقص ممتع عن مجتمعين لبنانى وفلسطيني يختلفان ولا يتضادّان وعن أجواء المسيحية والأديرة والراهبات ، وأزاح سُتراً عن كهنوت يتقادم ويتوارث حتى يصبح بسلطات طاغية ، كما أنه كشف عن أمراض اجتماعيه متوارثة وموغلة فى القدم ، يتحكم فيها الإسطير ويوجهها ويمضى بها إلى جمود يفضى إلى تخلف كارثي .

          ليس الجنس الأدبى هو الفاصل بين الكتابين وحسب وإنما اللغة ، وفى هذا السياق وقع خليل عبدالكريم فى ما ظل طوال البحث يحذّر منه وهو الارتهان إلى جمود الاجتهاد فى تفسير النصوص ، فذهب إلى لغة متقادمة جامدة لا يكاد يفهمها المثقفون ، ومضى إلى تقعير لغوى ولفظى لا يتناسب وحداثته فى الاجتهاد وأخذه بتاريخية النص للخروج من مأزق الجمود .

          أما الياس خوري فمضى فى روايته إلى أبعد مما يقتضيه حوار القص فأعتمد العامية وصولاً إلى تقريب الواقع والصورة لكنه أغرق واستغرق فلم نعد نفهم هل أصبحنا أمام عصر يستعاض فيه عن الفصحى المعقدة بالعامية المحكية وليس بالفصحى البسيطة ، لقد أدهشنا الياس عندما اعتمد ببناءه الروائى على العامية اللبنانية ففقدت روايته زخماً لُغوياً يحف بالنص عادة ، فيرفعه الى آفاق وذرىً أكثر سحراً .

          خطر لي أن أكتب عن الكتابين ، لا نقداً بالمعنى الموضوعى ولا حتى الشخصي ، بقدر ما هي محاولة لاستنهاض القراءة لنصين متميزين وقعت عليهما مؤخراً ، لا من التراث وإنما من الاصدارات الحديثة .

*   *    *

         

 

ويقول فريد عبدالكريم : ' فى رحم الثورة يتخلّق نقيضها ، ولا ينتبه الثوار الأوائل ' الحرس القديم ' ولكن الانتهازيين والانتفاعيين الذين التقوا بركب الثورة، وهو يهدّىء من سيره أثناء نهاية الشوط ، يدركونه ويصبحون أقدر من غيرهم على الامساك به والسيطرة عليه وتطويعه لمصالحهم .. ثم شيئاً فشيئاً يزيحون من طريقهم صانعى الثورة وأخلص أعوان زعيمها ! أولئك الذين دفعوا من أعمارهم الثمن الباهظ . وفجأة يرى ' الحرس القديم ' نفسه مهمشاً ومنفياً ومتغرّباً ، فى حين أن الانتهازيين والانتفاعيين تربعوا على القمة وجلسوا فى الصدارة يتمتعون بنتائج الثورة الشهية وقطوفها الدانية وثمارها اللذيذة !!

          ويضرب مثلا : فى ذلك الزمن من ثورة النبى محمد يصبح أمثال معاوية والحكم ومروان حكاماً يتمتعون بكل شىء ، فى حين يموت أبو ذر الغفارى شهيداً غريباً منفياً فى الربذة ، وعبدالله بن مسعود يُضرب بالسياط ويُجر من رجليه إلى خارج المسجد حتى تتكسر أضلاعه ، وأسامة بن زيد (الحبيب بن الحبيب) يسبّه معاوية سَباً قبيحاً أمام قبر النبي محمد . والحسن بن على حفيد القائد محمد يموت مسموماً .

          ويخلص عبدالكريم إلى القول : هذه مجرد أمثلة تؤكد أن موجبات قانون الثورات حَديدةٌ كالسيف تطول كل الثورات .. فلا تنجو منها ثورة على الإطلاق.


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور