موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 ��������       10/8/2022�         07:55

فــصــل فــي الحـجـــر
الاحد 10/1/2010م    18:05م

والحجر قديم منذ خلق اللـه الأرض ومن عليها. وكان للإنسان سلاحه الأول الذي به هشم رأس أول أفعى تسللت إلى فراشه، وبالحجر واجه الإنسان الحيوان البهيم والحيوان المفترس، وبه دافع عن نفسه وهي نفسه وأهله وعياله، ولكي يكون أكثر فعلاً، نحته ليصبح حاداً قادراً على حسم معركته مع الوحش. وحين كان الإنسان وحيداً خائفاً، كان ينام، وسلاحه الحجر إلى جانبه. ولكي يؤنس وحشته ويخيف الضواري من حوله، فإنه كان يضرب حجراً بحجر، وكانت قعقعة الحجارة تبدد صمت وحدته، مثلما كانت تدخل في قلب الحيوان الرهبة فيركن الى الفرار. ومن الاحتكاك انطلقت أول شرارة لمعت، ففرح بها وفي غمرة فرحه راح يستعيدها، فعرف النار.

وفي البدء كانت الكلمة ولكن أول كلمة كتبت كانت فوق الحجر. والحجارة أنواع، حجارة كلس لا تنفع في بناء ولكن طحنها وخلطها مع مواد أخرى يجعلها نافعة وحجارة البناء وهي حجارة الجبل القادرة على الصمود في وجه الزمن وحجارة الصوان وهي صلبة صفرة وقاسية وحجارة الصلبوخ ثم وفي أقرب الى الصوان تكون مدفونة في رمل الصحراء وهي صغيرة الحجم في حجم الحصى ثم حجارة الزمرد والياقوت والزبرجد والعقيق والرخام والجرانيت والألماس، وما إليها من الحجارة الكريمة مما يفيض عن الحصر.

والحجارة ألوان فمن الحجر الأسود المقدس الذي هو حجر الكعبة إلى الحجر الأبيض الذي هو حجر الصخرة في المسجد الأقصى في القدس، إلى الأحمر فالأخضر والأصفر والأزرق واللازوردي والبرتقالي والأزرق المائل إلى الخضرة أو الأخضر الضارب في الزرقة، أو السماوي، أو الرمادي،  والفيروزي فإلى كل ما يخطر على البال في عالم الألوان. بل أن الألوان ذاتها مشتقة من عالم الحجر فهو أولها وأساسها، والألوان الأولى التي تمت صناعتها في التاريخ كانت من دقيق الحجر بعد خلطه بالماء أو معالجته فيما بعد، بمواد أخرى.

ويقال فلان قلبه من حجر كناية عن الصلابة وقدرة التحمل والإقدام ويقال قُدّ من حجر أو من صخر أو صوان إذا كان قاسياً مستبعد الحس ميت المشاعر، أو إذا كان مقداماً شديد البأس يلقي بنفسه في قلب الخطر، فلا تطرف له عين، ولا يثنيه حاجز مهما عظم. ويقال فلان متحجر إذا كان متعصباً أو متخلفاً، غير قابل للتطور والنماء، وكذلك إذا كان متبلد الحس والمشاعر. ويوصف الحصان في قدرته القصوى واندفاعاته الفذة، بأنه جلمود حجر أو صخر جرفه السيل من شاهق فلا يقف في طريقه عائق. ويقال أيضاً فلان حجري الملامح صخري الوجه إذا كان وجهه ذا قسمات حادة وخطوط مفصلة واضحة لا مجال فيها للبس، وهي في الوقت نفسه صلبة وجادة.

ويكنى بذلك كذلك في حالة الوجه الجامد الخالي من كل تعبير، والذي لا يستجيب لأي إحساس ولا يتأثر بأي موقف.

فأي عالم عجيب غريب هذا الحجر … جمع المتناقضات وبقى حجراً، أنه عوالم كامنة، ونيران مخبوءة، وتاريخ محتشد، ألا يغرينا هذا باستحضار قولة الطفل لأبيه إذ رأى تمثالاً بديعاً لحصان منحوت من حجر : يا أبي كيف عرف النحات أن الحصان كان مخبوءاً في الحجر؟ .

ويقال : حجر فلان على فلان، أي صادر حريته في الكلام أو في التصرف، ويقال حكمت المحكمة بالحَجْر على فلان إلا بإذن من المحكمة، أي منعته من التصرف وذلك كما لو أن المحكمة وضعته في حجرة وأقفلت عليه، لا يملك تصرفاً.

 وهناك باب في القانون المدني له أحكام وفصول اسمه باب الحَجْر، ويتفرع من هذا الباب بنود ومواد تتناول المحجور والمحجور عليه والمحجور فيه وكل ما تنطبق عليه أحكام الحَجْر. وفي كل ذلك من فصول الباب أحكام تتناول بدقة متناهية حالات الحجر وأحواله وأسبابه ودوافعه ومن يقوم بالحجر ومن يحق فيه ومتى يجوز أو يجب أو يمتنع إلى آخر ذلك. وهناك من هم محجورون بشكل طبيعي كالجنين والطفل والقاصر، وهناك من لابد لحجرهم من صدور حكم بذلك من المحكمة، لأن الأصل فيهم أن يكونوا غير محجورين، لكنهم لأسباب عارضة أو أسباب طارئة، أو أسباب لا تزول أصبحوا في مثل أهلية المحجورين الطبيعيين فحق للمحكمة أن تتعامل معهم تعاملها مع القاصرين. ويقال حجرت عليه أي حجزته، ولعل أساس ، أن الأعراب كانوا يضعون عنان الجواد تحت حجر ضخم، فيحجرونه ويحجزونه، فلا يتمكن من الهرب أو الذهاب بعيداً.

 وهكذا نرى أن الحجر يخدم الفعل ونقيضه. فهو فعل حرية في تظاهرة صاخبة، وفعل حماية وأمان في مواجهة الوحش وفي الوقت ذاته هو أداة حَجْر وحجز في والمعتقلات  البدائية.. على أن الأهم الأهم هو الإنسان، وكيف يتعامل مع الحجر.

ويقال أيضاً الحجر جامد ميت بارد، ويكتنفه صمت مطبق يبدو أبدياً، والحجر حي متحرك مبدع يتفجر ينابيع ماء وحياة، وقد يغضب بجنون ، فيزيح قشرة الأرض ويندفع نيرانا وبراكين تحرق الأخضر واليابس. الحجر كذلك ذو حرارة بشرية تشكله وتصقله  وتنحته فيغدو لوحة مثالاً وتحفة للناظرين !وضع فلان في الحجر الصحي إذا كان لا يملك بطاقة تطعيم وكان هناك وباء انتشر في أرض دولة، فتخشى الدول انتقال الوباء إليها والعياذ باللـه. وفي المطارات ونقاط العبور إلى أراضي الدول هناك مستوصف أو منطقة يجري عزلها يطلقون عليها ( الحَجْر الصحي ) وبعضهم يسمونه المحجر. وهو خلاف المحجر الذي يكون في بطن الجبل، ويقتطع منه الحجر، والذين يقتطعونه يسمونهم الحجّارة. والحجّارة أيضاً هم الذين ينقلون الحجر وهم كذلك الذين يقومون على تهذيبه وتشذيبه وتشكيله ليصبح صالحاً للبناء. 

وبشئ من التصحيف يصبح الحجر حجزاً، وإن كان الحجز أشمل من الحجر، فالحجز حبس والحَجْر فيه معنى من الحبس ولكنه ليس دائماً كذلك. ورأينا أن الحَجْر مشتق من الحجر.

وفي القديم عرف الإنسان الحجر وقاية إلى جانب السلاح فكومه بعضه فوق بعض في مربع أو مستطيل أو دائرة أو أشكال هندسية أخرى، أطلق عليها اسم الحجرة أو الحجر أو الحجرات، ومن الحجرة المربعة أو المستطيلة اختير حجر الزاوية ليكون الأول بين الحجارة. فحجر الزاوية هو الأقوى وهو من جهاته الأربع عماد الحجرة أو البيت يصلبها في وجه غائلة الانهيار أو السقوط. ومنه استعار العرب تعبير حجر الزاوية أثناء الحديث، كناية عن جوهر الموضوع الذي يجري الحديث عنه، أو صلبه أو القاعدة التي تمسك به، وإذا كان السيد المسيح قد انتصر للحجر المهجور المنسي بأنه أصبح حجر الزاوية، فإنه أيضاً هو الذي بارك أحد تلاميذه قائلاً: أنت الحجر الذي أبني عليه كنيستي ومن يومها أخذ اسم بطرس- بيتر، معنى الحجر، أو أصبح اسم ذلك التلميذ في بعض اللغات روك، أي الصخرة ثم أن الصخرة ( أو الحجر الكبير ) هي التي ستغلق باب القبر على يسوع في الجمعة العظيمة، ليدحرجها ويستعيد الحياة من جديد، فيكون بذلك عيد الفصح.

أما لدى المسلمين فمن الصعب إحصاء حالات الحجر، فذلكم الحجر الأسود الذي اختلفت القبائل على من يرفعه فأتى ( الأمين ) ليضع عباءته تحت الحجر ويطلب من الجميع أن يرفعوه وليصبح رمزاً للتوحيد بعد أن كان مثار مخاوف من الفرقة والعصبية. ثم يأخذ ا              لحجر شكل الظلم عندما يضعه المشركون على صدور ياسر وسمية وعمار، وكذلك على صدر بلال ليخرجوهم على دينهم وهيهات لهم ذلك .. ومن الصعب إحصاء المرات التي ورد فيها الحجر والحجرات من خلال آيات القرآن الكريم، بالمعاني كلها، حتى تلك التي يتماهى فيها الحجر بالبشر وسط الجحيم : وقودها الناس والحجارة …

وتتخذ الحجارة لنفسها أشكالاً وأحجاماً لا تخطر على بال، وأنها لترتسم في بعض المناطق، مثلما هي في زيمبابوي في إفريقيا، لوحات فنية تعجز أهم الفنانين التشكيليين، كما ترتسم في مناطق أخرى شواهد مخيفة في ضخامتها، حادة في تشققاتها وانحناءاتها وتعرجاتها، ينيخ بعضها بكامل ثقله فوق بعضه الآخر في نقط ضيقة، تعجب معها كيف لا ينهار ذلك الطود من الصخر والحجارة، ولعل من رأى قصر الحجر، في منطقة وادي ظهر قريباً من صنعاء، حاضرة اليمن والعرب، فلن ينسى تلك التحفة الفنية التي نبتت في أعلى مرتفع جبلي، كما لو كانت فاكهة من حجر، وأنها لفاكهة حقاً للنظر.

وفي الأمثال الفلسطينية والعربية عموماً : قلبي على ولدي وقلب ولدي من حجر، وفي رواية أخرى ' على الحجر ' ويقال أيضاً تحجرت في عينيه الدموع، إذا عظم المصاب وألـمّ الخطب، وكانت الصدمة جارفة بحيث لم يستطع أمام هولها ذرف دمعة واحدة. ويوصف مأوى العين بأنه المحجر، فيقال دارت العيون في المحاجر دهشة أو رهبة.

والحجر كثير، لا تخلو منه بقعة على وجه الأرض مهما ضاقت أو اتسعت وفي رمل الصحراء سكون الحجر أيضاً، وهناك يسمونه الصلبوخ وآخرون يسمونه الحصى، وهو صغير وصلد وأملس، ولا يكون حجارة كبيرة أبداً إلا في الجبل. وحجر الصحراء في مثل حجم حب البلوط، وأكبر أو أصغر قليلاً.

ولا يمكن جمع الحجارة وتكديسها بحيث تخلو الأرض من حجارة وما قول الشاعر العربي القديم:

لو كل كلب عوى ألقمته حجراً : لأصبح الصخر مثقالاً بدينار. الا مبالغة شعرية، فالحجارة تعد أكثر مما تعد الكلاب بملايين ملايين المرات، لهذا لا خوف على حجارة البلاد من النفاذ مهما كثر الغزاة…

وفوق جبل عرفات في الحجاز وبعد الطواف في الكعبة، يكون هناك من الحصى والحجارة قرب المزدلفة، وحولها، ما يكفي ليقوم كل حاج من ملايين الحجاج برجم إبليس عشر مرات. ويرجم الناس إبليس أنه أصل الشر. ويرجمونه لأنه الوسواس الخناس. ويرجمونه لأنه خائن، ولأنه يقتحم على الناس طمأنينتهم ويعبث بدواخلهم ويبذر الشقاق بينهم، ويثـير الفتنـة فيهم. والناس في المزدلفة لا يرون إبليس ولكنهم يرجمونه. وإنه لمغزى عظيم أن يتـم اختيار قبر الخائن أبي رغال، ليكون رمزاً لمأوى إبليس، فيتم رجمه هناك، وأبو رغال هذا هو الذي دل جيش أبرهة الحبشي على طريق الكعبة، فاعتبره العرب رمز الخيانة، وجعلوا يرجمون قبره كل عام، حتى قال أحدهم:

' وأرجم قبره في كل عام

   كرجم الناس قبر أبي رغال '

أما جيش أبرهة، فقد ابتلى بطير أبابيل، ترجمه بحجارة من سجيل. والناس عند المسجد الأقصى وفي غزة هاشم، وفي ناصرة المسيح، وفي كل مكان من الأرض المقدسة يواجهون بالرجم أصل الشر والبلاء يرجمونه بالحجر الذي لا يعوزهم.

ذلك قليل مما علمناه من أمر الحجر. وما تعلمناه من أهل الحجارة والانتفاضة.. واللـه أعلم.


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور