موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 �����       28/5/2022�         16:13

نُريدُ رَجُلاً .. يَدُلً عليهم !
الخميس 4/1/2007م    01:53ص

الآن بدأت أفهم لماذا نستحق كل هذه الدهشة الوحشية ، لماذا نمضى إلى القاع ونضرب فى المستنقع . ثمة ماهو فى تركيبنا وجيناتنا فادح وشيطانى ، لو كان ما جرى لو أن الجريمة ، لو كل هذه الفظاعة والبشاعة والقتل الجبان حدثت فى مجتمع آخر لكانت طارت رؤوس حاكمة ولتوارى خجلاً ، ليس وزير الداخلية وحسب وإنما من هم أعلى وأعلى !

          يصعب على عقلي أن يتخيل أننا انحدرنا وتدهورنا وأصبح دمنا مباحاً وأطفالنا يخردقهم رصاص جبان . نحن فعلنا ذلك بنا ، بأنفسنا ، عندما سكتنا على العودة إلى الخلف أجيالا وعقود سنوات ، عدنا إلى العشائرية والقبلية ، من لا عشيرة له فدمه  ماء ومن لا عائلة له يكون نهباً وملطة وملطمة ! هل نحن هم الفلسطينيون الذين ملأوا الدنيا صموداً وفاخروا الشعوب إباءً وساندوا الثورات وقوى التحرر فى العالم كله ، وأصبحت الكوفية رمزنا والانتفاضة تعبيرنا الذى استقر فى كل لغات الأرض !! لا ليس هذا نحن عندما حمل بعضنا سلاحاً لا يعلم له وجهة ولا يعرف له وزناً ، ولم يُخضعه لقانون ميزان القوة ، ولم يختبره فى سياقه الذى يمضى به نحو الهدف الوحيد وهو الاستقلال والسيادة وتحرير الأرض !

          لو كنا فى وطن آخر لما ظل وزير داخلية فى منصبه ولاستقال وزير الصحة خجلاً من بشاعة المشهد وعنف الصدمة ، ولذهب وزراء آخرون إلى التواري احتجاجاً ولأنهم بلا جدوى ولا يملكون حماية طفل برىء يمضى إلى مدرسته ، فيفاجئه الجبناء بصلية تؤدى به وبإخوته .

          لو كنا نفهم ونعقل ! كنا تساءلنا هل هؤلاء القتلة نبت شيطانى ، أم أنهم صناعتنا وطرح واقعى لانحطاتنا وفلتاننا ، وكنا تأملنا بعمق هذا الذى نفعله بأنفسنا ، حين نربى قتلة لا ترتجف أصابعهم ولا يحسون بإثم وهم يزهقون من هم أعلى من النفس التى حرم الله الا بالحق ، فيقتلون أطفالا هم فى تراثنا العظيم والعميق أحباب الله .

          من الذى أوعز والذى خطط ومن الذى نفذ ؟! فالفاجعة ليست صناعة فرد ولا حتى أفراد عابثين ، وإنما هى انتاج فصيل أو تنظيم أو حزب أو جماعة ، سمها ما شئت . كيف يمكن السكوت على ذلك وكيف ينام هؤلاء الذين أصبحوا فاذا هم أمام كل هذا الهول الذى يضرب فى إعماقنا ، فيجعلها نستحى أن نكون وأن ننتمي وننتسب !

          هؤلاء القتلة صناعتنا وهم إرثنا القادم ، الذين ينفلتون منا ولن يستطيع أحد أن يحكمهم بعد اليوم .. إلا إذا كشفنا عنهم ومن وراءهم ، وأخذناهم بالقانون الوضعى وقانون الشرع وقانون الله .

          هذه الفاجعة الفادحة الدامية المهينة المخجلة المعيبة الكافرة المدمرة .. مفصل تتوقف عندها كل الأمور وينتصب أمامها المستقبل والمصير . لن معبر إلى مجتمع سوي والى أمن وأمان واطمئنان والى القادم ، إذا لم يأتى الفاعلون إلينا ، أمامنا ، وإذا لم نبدأهم محاسبة لا ترحم . بهذا وحده وبما فيه من قسوة وألم وجلد للذات ، يمكننا اعتبار دم هؤلاء الأطفال ـ أطفالنا ـ قد استرد قدره ، حين يذهب فداء لكل أطفال فلسطين . فاذا لم يأتنا بهم المسؤولون المنشغلون بصراعهم على الكراسي والنفوذ ، فليذهبوا من أمامنا وليغربوا عن وجوهنا .  نحن الذين انتخبناهم وجئنا بهم ، ونحن نقول لهم اليوم لا نريدكم .

*     *       *

          لأول مرة أحس قلمى عاجزاً ومكسوراً ، وظننت أن أبلغ تعبير عن ألمى وخجلي من نفسى ومن قومي الذين يصدرون بكل هذه الفظاعة والوحشية ، هو أن أصمت تماماً ويخرس القلم ويتوارى احتجاجاً على أنه يعيش عصر الانحطاط والجهل والعبث الدامي الجبان ، غيري اننى اعتقدت بكل عمري وتجربتى ان السكوت ليس أضعف الإيمان وحسب ، وإنما هو جبن وقبول بالذل وامتثال لقانون وحوش ليسوا وحوش غاب ، وإنما وحوش بشر لا يستحقون تاريخنا ، ولا نستحق ان نعاقبَ بهم .. عذراً أظنى أننا بما فلعناه بأنفسنا نستحق عقابنا.

*     *       *

          كنت قررت ، لو سمحت الجريدة ، أن تصدر دفاتر الايام المخصصة لي يوم كل خميس بشريط حداد اسود دونما كلمة واحدة ، لكننى بعدما عدت إلى نفسي أدركت أن صمتى . يشطب تاريخى . لذا فإننى لا أصمت ، ولو كان القتلة مقنعينأو سافرين ، ولو كانوا بعد هذه الفعلة – بهذا الحجم المروع والجبان لن يتورعوا عن أي فعل . أظن أن علي المسئولين أن يفهموا جملة واحدة وهي : أن الذي يتهاون أو يسمح بجريمة بهذا الحجم سيكون عاجزاً وغيرَ قادرٍ علي حماية مؤخرته.

 

          كيف ينام من يحرمون أما فلسطينية من ثلاثة أطفالها؟! ليسوا وحوشاً وقتلة وحسب ، وانما هم عار يتجول فينا جميعاً ، وأن الذين يتسترون عليهم هم الذين ضغطوا على الزناد وهم الجبناء .

*     *       *

          لم أفهم بعد لماذا؟! أريد أحداً أن يعيرنى عقله إذا كان يفهم ! تعبت وأنا أقلب الأمور على وجوهها وقفاها . هل وصلنا إلى استسهال قتل وعبثية ، لا تفرق بين الكبار والأطفال ؟ والد الشهدء لا يستحق كل هذا القتل المثلث ، لم نسمع عنه سوى كل خير .. لماذا  لماذا ؟!!

*     *       *

خطرت لي فكرة مجنونة لا تظهر الا فى المجتمعات العظيمة : فربما لو أن الضمير الخاص يبث كهرباءه السوية ، ربما يسلم أحدهم نفسه مكفراً عن فظاعة الفعــل ، و... يدل عليهم !!
 

إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور