موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 �����       28/5/2022�         16:05

نريد من يدق طبولنا..واضحه
الاربعاء 27/9/2006م    01:41ص

لا أعرف وزير ثقافتنا الفلسطيني. لم أقرأ له رواية أو قصة أو ديوان شعر، ولم تصادفني لوحة أبدعها فحاولت فك رموزها وفشلت أو لم أفشل، ولم تسعفني الفرصة لمقابلته على الرغم من أنها كانت سانحة،لولا أنني كنت خطفت السفر بعد طول حبس، في تدافع بالمناكب أودى بنظارتي الطبية وقلمي الثمين، وحين تفقدتهما وجدتهما أضحيا كسراً وشظايا! لحظتها أدركت أنني مازلت على عافية تستطيع الصمود بين الأكواع المتصارعة: وسط حشد يحشر الناس فيه أنفسهم حشراً ويحشون جسومهم حشواً، ما علينا!

أعود الى وزير ثقافتنا الذي دعا ودعاني الى حفل تكريم صديقي وأخي وزميلي ' الولد الفلسطيني' والشاعر الذي تحار كيف تأتيه تيهاً: هل من باب الشعر أم النقد أم الثقافة التراثية أو ثقافة الحداثة؟

فاجأتني الفكرة هل لأن الوزير من حماس، وأحمد نسيج في فتح؟ أعترف بأنني لم أتوقعها تسقط فتح، مرة أخرى تتنكر لرموزها، هل أصبح الوفاء عملة نادرة، تعز حتى إذا صارت تخلّف دهشة وتبعث ذهولا..مرة أخرى ما علينا..فلقد فعلها وزير ثقافتنا، وحسبه أنه بفعلته أسعدنا نحن الذين نقبض على القلم بخلايانا لنجعل الحياة أحلى وأعظم وأعلى استحقاقاً.. أحمد انَك لم تتقاعد، وإنما تبدأ حراً، متحرراً كلنا نحبك لأنك قدمت للفلسطينيين شاعرهم وناقدهم وكابتهم وحاديهم، وفي كل واحد من هؤلاء تميزت وأبدعت.. مبروك التقاعد، مبروك التعاقد مع الحرية.

*  *  *

هذه المرة، يبدو أنني مللت الكلام في السياسة، فلا أحد يخلي الطريق أو يتخلى أو يزيح، أو حتى ينزل عن كرسي، ودون ذلك بطون وكرامة الشعب الفلسطيني كله، شيبه وشبابه ونسائه وأطفاله!

وسئمت من الخوض في المسائل الاجتماعية، فالكلام بلا طائل يصبح لغواً مكروراً وثقيل الظل، ومثل الزبد يذهب غثاء ولا يعمر في قلب أو أذن!

عن ماذا أكتب إذن؟ فلتكن الكتابة عن الذاكرة! هذه الذاكرة الفلسطينية التي تجترح النقيضين معاً بذات الكفاءة والدرجة، الفلسطينيون يحفظون تاريخهم وتفاصيل أرضهم ويحفظون عن ظهر قلب قصص طفولتهم، وأهازيج أفراحهم القديمة وحين الاحتفال بحصاد القمح ودرس سنابله! لكنهم عندما يتعلق الأمر بشؤونهم الداخلية ومسيرتهم النضالية ومصائرهم، يغيبون عن كل وعي وذاكرة ويقتتلون فوق الأرض وعلى الفضائيات، وفي سبيل المواقع والمناصب! يتحول المناضلون إلى أمراء حرب ويجوب المقاتلون الشوارع والأزقة بحثاً عن 'الشر' وافتعال مشكلة تفضي إلى كارثة، ننشغل ببعضنا وننشغل بنا، وننسى أننا مازلنا على مسافة قصوى من تحقيق أي وعد! والأدهى أننا نعود لنحتكم إلى مرجعيات قبلية وعائلية ضيقة وبائدة، ولا تليق بشعب حيوي اثبت في كل المراحل والمفاصل أنه جدير بمستقبل وأمل وليس بكارثة.

*  *  *

تصفحت صحف الأربعاء، رغماً عني أعود الى السياسة! لم اصمد سوى سطور كتبتها في لحظات غيظ وغيرة على ما نحن فيه! قرأت ما يفزغ: تصريحات متناقضة وصراخ كلام يحمل أحياناً تهديداً ووعيداً وأحياناً مرونة وغموضاً! لقد أصبحت فكرة الغموض البنّاء 'موضة'، ربما حماس تنتهج الأسلوبين الوعيد والغموض معاً! هل هو توزيع أدوار أم خلاف حقيقي؟ من حق الفلسطينيين الإجراء والموظفين والمواطنين البسطاء والأغلبية العاطلين عن كل عمل أن يعرفوا، فحكومتهم التي تسوس حياتهم وتمسك بأرزاقهم يجب أن تكون واضحة وشجاعة في تصديها للمشاكل العاجلة والآجلة.

العالم ينتظر أن نقدم له نظامنا السياسي بلا غموض، وأبو مازن أمامه طريق واحد أن يكون حاسماً مع حكومته بعد أن رأى وسمع، ولاحقته في نيويورك عاصمة الأمم المتحدة وعواصم أخرى، تصريحات لا تخدم اتفاقاً ولا تراعي وعوداً، بذلتها الأطراف المختلفة أثناء الحوار الوطني.ثمة ما يقترب من العبث بمصير الفلسطينيين في وطنهم، ولقمة عيشهم ومصير أطفالهم. هذا وضع لا يغضب البشر وحدهم وإنما يغضب الله

*  *  *

بكت عندما سمعت ' المسحراتي' يطرق طبله بعصاه فيرتفع قوياً هادراً، يجرح صمت الليل. عادت بالذاكرة الى الطفولة حين كانت الحياة أبسط، أقل زحمة وأكثر رخاء: كانوا يسهرون حتي موعد ' المسحراتي' وحين يغلب بعضهم أو بعضهن النوم، يفقن على موعده بلهف يدق فيه القلب بوابة الصدر بعنف يمتزج فيه التوجّس بالفرح. وكانوا يمضون وراءه، يتقافزون فرحاً وغبطة، قبل العودة الى مكافأة السحور، فالنوم هنيئاً.

عادت الى حاضرها.. لم تعد مسحورة بالمسحراتي وإنما خائفة من ارتفاع صوت طبوله! لا تريدهم أن يستيقظوا فليست لديها نار توقدها لهم على ماء وحجارة، تلهيهم حتى يفيئوا الى نوم جديد. 


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور