موقع الكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح 
 
 �����       28/5/2022�         15:48

كم تعذبت .. كم عذبتنا
الاربعاء 14/6/2006م    01:36ص

قرأت في وثيقة الأسرى ثلاث مرات: مرة على سبيل العلم بها والوقوف على محتوياتها ومقاصدها، وذلك قبل أن يشير إليها الرئيس 'أبو مازن'، ويعتبرها أساساً مؤهلاً للبناء عليه على طريق مواجهة الأوضاع الكارثية التي تهدد الفلسطينيين جميعاً. وقرأت فيها مرة ثانية بعد ذلك، عندما أثارت ضجيجاً وأحدثت لغطاً راح يتعاظم، فأحدث شروخاً وخلّف انقسامات لم تخل من تحريض حاقد قادم من الجوار، الذي لم يقدّر خطورة الفعل الذي يخلّ بحرمة الدم الفلسطيني ، ويبيح اقتتالاً داخلياً نشهد في هذه اللحظات بداياته المؤسفة. ثم قرأتها مرة ثالثة لأتمكن من فحص في العمق ، بعد أن اعتبرتها أوساط بعينها خارجة عن النص الوطني؟!

لقد اخترت تعبير الخروج عن النص الوطني؟ لأن المرادف على طول الخط هو التخوين، إذ ما معنى أن الوثيقة تدعو إلى الاستسلام، وتستجيب لإملاءات الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمس الثوابت الوطنية، إلى غير ذلك من العبارات الجاهزة؟!

ما علينا.. ما أردت قوله هو أنني في القراءات الثلاث، ازددت اقتناعاً بأن الوثيقة لا تصلح أساساً وحسب ، وإنما هي مع بعض المراجعة وقليل من النقاش المعمّق حول صياغات أعلى، تنفع أن تكون مرجعية وخطاً وطنياً سياسياً، لذا فإن الاستفتاء عليها  الذي لا يجبّ الحوار الوطني حولها واجب وضرورة. حتى إذا ما حدثت المعجزة واتفق الكل على الوثيقة ذاتها أو على وثيقة معدّله تبعد شبح الكارثة ، انتفت ضرورة اللجوء إلي الاستفتاء.

     وبما أنني لم أفهم بعد لماذا يعتبر فريق منا أو أكثر الاستفتاء خطأ وطنيا مرة ومخالفة قانونية أو دستورية أخرى، فإنني أقرر بدون تردد ، بأن أي استفتاء هو الأعلى علي الإطلاق في العملية الديمقراطية. هو فوق الانتخاب، فالانتخاب اقتراع على أشخاص بعينهم، وأحزاب وفصائل لها برامجها، أما الاستفتاء فيكون على وثيقة أو فكرة ، أمام مأزق استراتيجي يواجهه الشعب أي شعب. وفي ايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية لم يذهب المسؤولون إلى البرلمان لتغيير الدستور وليجيب النواب على السؤال الأخطر حول الملكية المطلقة أو الجمهورية البرلمانية، وإنما ذهبوا إلى استفتاء الشعب . كذلك في فرنسا على أبواب الألفية الثانية عندما أصبح على الفرنسيين القرار بشأن الاتحاد الاروبي.. لم تذهب فرنسا العريقة الى النواب المنتخبين من الشعب، وإنما الى الشعب نفسه ليقرر في استفتاء عام يبدي كل صغير وكبير رأيه فيه. ولقد فعلها ديجول مرة سابقه عام 1968 فيما اذكر فخير الفرنسيين بين الاستفتاء أو استقالته ..

* * *

هذه رسالة مفتوحة إلى كل من تهمه الحرية في عالمنا المعاصر، وقبل ذلك هي رسالة إلى الغرب والشرق والأمين العام للأمم المتحدة وقبل هؤلاء جميعاً، إلى السيد 'جوزيف بلاتر' رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.

نريد تعويضاً قد لا يقدر عليه أحد، إذ هو تعويض آدمي يتلخص بحرمان إنساني تمارسه علينا إسرائيل، فما أن نجلس إلى التلفزيون لنستمتع مثل باقي البشر بهذا العرس الكروي العالمي الذي ينتظره العالم بشغف كل اربع سنوات حتى تأتي الطائرة الاسرائيلية ' الزنّانة' لتحول استمتاعنا إلى قهر، وتحرمنا من لذة المتابعة والمشاهدة ، فالزنانه لاتشوش الصورة وحسب ، وإنما تحيل الشاشة الي عذاب متصل ، بدل ان تقدم لنا استمتاعا مقيما .

* * *

 على الرغم من الطائرة ' الزنانة' استمتع الجمهور الفلسطيني بمبارة التشيك والولايات المتحدة يوم الاثنين الماضي. حبس جمهورنا أنفاسه وهو يلعن ويشتم كل الطائرات الزنانة وغير الزنانة، فيما كان يتابع هزيمة الفريق الأمريكي..

أظن أننا جميعاً طربنا كثيرا حتى إننا كنا نهب من فوق مقاعدنا ونحن نتابع ثلاثة أهداف ' نظيفة' كما يقول المعلقون الرياضيون في مرمى الولايات المتحدة .

لقد أحببنا' التشيك' كثيراً وعشقناهم، لأنهم مارسوا إسقاطا يداعبنا في اليقظة والحلم ، لقد نابوا عنا في فعلة رائعة نامل ان يكررها غيرهم فتخرج الولايات المتحدة من الدورة الأولي غير مأسوف عليها ! اعلم أن الأمر لا يتعلق بروح رياضيه ، ولكنها روحنا السياسية التي يقهرها الأمريكيون في كل لحظه .    

* * *

 ثمة غباء في توجهنا الإعلامي ؟ كان علينا أن نجعل العدسة تدور وتدور فلا ينقطع دورانها لحظة عبر العالم كله ، ليرى الاسرائليين 'المتحضرين' فوق شاطئ بيت لاهيا، وهم يحصدون الأطفال ويبعثرون دم الأبرياء.

لاأعرف المصور الفلسطيني الذي كان له الفضل في التقاط المشهد والدوران به في كل الزوايا ، ولن أنشغل في معرفة اسمه، يكفيه فخراً أنه استطاع أن يفعل ما فعله مصور القناة الفرنسية الثانية أثناء القتل البطئ المتعمد قبل أكثر من خمس سنوات ، عند مفرق ما كان يسمى 'بمستوطنة نتساريم'.. لقد استنسخ المصور الشهيدة  ' الحي' هدى التي ضاعت عائلتها بكاملها على مرأى منها ، من الشهيد محمد الدرة .. كم تعذبت هدى كم عذبتنا !!

كان علينا، على سفاراتنا على كل مكان يوجد فيه فلسطينيون أن نحمل جريمة الاسرائليين إلى أقاصي الأرض، لا أن نسمع فرساناً في الفضائيات يتحدثون عن مطاردة تقوم بها الطائرات لهذا الفصيل أو ذاك ، مما قد يفسّر على أن الجريمة وقعت أثناء المطاردة.

هذه اللقطة التي أنفرد بها التلفزيون الفلسطيني وظل يذيعها ويكررها، تغفر له كمّاً هائلاً من أخطائه وخطاياه.. على أية حال ليس 'شمعون بيريز' الاسرائيلي الوحيد المشهور بالكذب، 'عمير بيرتس' يفاجئنا بموهبته في منافسة بيريز: كيف يروّج لرواية تتحدث عن قنبلة مدفونة ، هي التي أودت بحياة المتنزهين على الشاطئ ؟ يبدو أن الأمر لا يتعلق بالكذب وحده وإنما بالسذاجة والوقاحة .. اية رواية كاذبة اخري سوف يتبناها عمير بيرتس ، هذه المرة ، في شارع صلاح الدين في غزة حيث ذهبت الطائرات بأب وطفلة وأطفال آخرين ، وأفراد طاقم إسعاف ..؟!

* * *

الطفلة هدى التي فقدت عائلتها وظلت وحيدة، تعيد إلى ذهني الصواريخ التي يرشقها بعضنا فترتد علينا مرة في جباليا وقبل ذلك في بيت حانون. كم عائلة سنفقد وكم رجلاً وشاباً، وكم مقبرة ؟ كم صاروخاً أطلقنا وما هي النتيجة ؟!

* * *


إخفاء الكل
||
عرض كافة التعليقات
عدد التعليقات (0)
التعليقات مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي الموقع
لا يوجــد تعليقـــات

عنوان التعليق
الاسم
البلد
التعليق
500





هذه الصور هي التسلسل الزمني للتاريخ للكاتب زياد عبد الفتاح
وهي ملك لصاحبها ولا يحق لاحد التصرف باي ماكان من هذه الصور